الأحد، ١١ يناير ٢٠٠٩

شرق وغرب!

عندما كنت في مصر يئست من أن يتغير أي شيئ سواء على المستوى الوطني أو القومي ، وذلك لكمية الجهل والسلبية التي يتمتع بها الغالبية من الشعب المصري. وهذا الاستنتاج وصلت إليه من خلال النقاش مع الكثير من المصريين الذين أعرفهم ومن مراحل عمرية مختلفة. الناس مشغولون إما بلقمة العيش وأسعار الطماطم والبطيخ أو مباريات الكرة أو بمجالس النميمة والقيل والقال.

أنا مغرم من صغري بثلاثة أشياء: القراءة والسياسة والتاريخ (وإن كانت الثانية والثالثة من باب عطف الخاص على العام). ولقد وجدت أكثر الناس لا يقرأون الكثير خارج صفحات الرياضة والفن ، وأغلب الناس مازال يقرأ الصحف الحكومية (بالطبع ليقرأ عن هذين). ولكن أيضا تسربت إليهم دعاية النظام الحاكم من حيث لا يشعرون ، والتي تراها تنعكس في آرائهم عند أي نقاش. على سبيل المثال عندما تحتج على سياسات مبارك (أو لا سياساته بالأصح) يرد أحدهم (بل أكثر من شخص بالأحرى) هل عندك من هو أفضل منه! وبعضهم يعلق صور "الريس" ويكاد أن يسبح بحمده. أحدهم قال لي (العام الماضي في زيارتي الأخيرة لمصر) عندما انتقدت مبارك "اللي ما يعرفش يقول عدس". هذا ما يفعله النظام يرمي للناس الفتات حتى يبقوا على الولاء له وحتى لا يحرمهم من هذا الفتات ، كذلك فإنه يوصل الفاشلين والفاسدين الذين "سيلوصون من غيره" سواء كان هؤلاء المنافقون عمدا أو عمداء ، مرتشين صغارا أو لصوصا كبارا.

لهذا عزمت على الهجرة وترك البلد ومشاكله وأهله. تخيلت أن مشاكلي ستحل. كنت شديد النقد لمصر عندما سافرت لكندا ، فشخص مثلي لم ير بلدا غير مصر كان شديد الانبهار بالبلد الجديد (والذي اعتبرته بلدي الأول في ذلك الوقت). في الحقيقة لم أبتعد كثيرا عن مصر من خلال المصريين الذين قابلتهم (بما في ذلك سلبيات المصريين بل وآرائهم التي ذكرتها من قبل). كنت أحاول الخروج من الشرنقة بالاحتكاك بالعرب وبالطلاب الكنديين والأجانب من خلال بعض الأنشطة كالرحلات والمعارض (عن فلسطين) بل وساهمت ببعض التعليقات على المقالات الصهيونية في صحيفة الجامعة. كان لي أصدقاء من العرب والمسلمين (منهم من سكنت معهم قبل الزواج) منهم اللبناني والسوري والأردني والعراقي والباكستاني بل وأيضا الكندي من أصل أوغندي (صحيح كلهم كانو مسلمين ولكن كان منهم السني والشيعي).

تقريبا بعد ثلاث سنوات من الإقامة في كندا بدأ الحماس الذي كنت أعيشه يخفت ، وإن كنت مازلت متمردا على الطبيعة المصرية السلبية (لاحظت أيضا أن الكثير من المصريين كانوا منغلقين على أنفسهم ، والبعض يعتبرون أنفسهم أسمى من باقي العرب وهذا ما كنت أرفضه بشدة فعلا وقولا). كان هذا أيضا تقريبا الوقت الذي تزوجت فيه من مصرية وانتقلت مصر إليّ بالكامل الآن. وبعد أحداث سبتمبر (والعديد من النقاشات مع الصهاينة في الجامعة) اكتشفت أن المجتمع الكندي (والمجتمعات الغربية عامة) تحمل آفات خطيرة (ربما لا تقل خطورة عن آفات المجتمعات العربية). على سبيل المثال لا الحصر العنصرية ضد العرب (من خلال الثقافة المعادية لكل ما هو عربي أو مسلم والتهويل من خطورة العرب بعاداتهم ودينهم على الثقافة ونظام الحياة الغربي) ، كذلك التأييد اللا محدود والتبرير اللا أخلاقي لأفعال وممارسات الكيان الصهيوني في فلسطين من البعض (وصمت الآخرين إما خوفا أو تعاطفا أولا مبالاة ترجع في الأرجح لعنصرية كامنة على أساس أن "إسرائيل" تعتبر جزءا من الغرب ونمط حياته على خلافنا نحن ، لذا فحياتنا لا تستحق الكثير من الاهتمام حتى من أولئك الإنسانيين الذين يعشقون الدالاي لاما أو الذين يحاربون الفقر بل ويقومون بمشاريع في أفريقيا وآسيا)! حتى بيانات منظمات حقوق الإنسان في الأغلب تساوي يبن الضحية والجلاد في الإدانة ولا تفرق يين مستعمِر (بكسر الميم) ومستعمَر (بفتح الميم). هناك تفسير إضافي للتأييد الأمريكي (والكندي والغربي بدرجة أقل) للكيان الصهيوني (وما يلحق ذلك من عنصرية صريحة أو لا شعورية) يكمن في التشابه بين مجتمعات العالم الحديث التي قامت على إبادة السكان الأصليين وإقامة دول استيطانية محلهم تماما كما يفعل الصهاينة الآن في فلسطين (مع توقعي لفشل المشروع الاستيطاني الصهيوني لأسباب عدة يطول شرحها).

الآن لا أرى أملا ولا عدلا لا في الشرق ولا في الغرب. الكل يجري وراء القوة الاقتصادية والعسكرية (ما عدا العرب بالطبع) المجردة من المبادئ والأخلاق. على سبيل المثال رئيس أي شركة إلكترونيات أو برمجيات (أيضا العاملون والمهندسون) يفرح بأي عقد مع الجيش الأمريكي أو إحدى شركات الأسلحة (مثلا بوينج أو لوكهيد مارتين) لأنها ستدر عليهم المال الوفير والعلاوات الإضافية ولا يكترثون أن هذه الأسلحة ستستخدم في الدمار والإبادة كما نرى (ربما أكون من القليلين الذين تدور بخلدهم هذه الأشياء) ، كذلك يضايقني أن الضرائب التي أدفعها يذهب جزء منها إلى الجيوش الفاشية (الأمريكية والصهيونية) لأجل القتل والدمار ضد أهلنا وشعوبنا (إلى يومنا هذا لم أقدم طلبا للحصول على الـ "جرين كارد" على أساس أنني ما زلت أعتبر إقامتي هنا مؤقتة ولا أحب الاستقرار في هذا البلد (أمريكا) والتي تذلنا هنا وتقتلنا هناك). هذا أيضا لا يعني أنني أود العودة إلى مصر (ربما العودة إلى كندا أوالسفر لإحدى دول الخليج ، وربما تكون أوروبا حلما بعيد المنال). كذلك فأنا أتعرض للتمييز العنصري في المطارات الأمريكية ويقومون بتبصيمي وتصويري والبحث عني في قائمة المشتبهين خروجا ودخولا وتسمى هذه العملية المهينة التسجيل الخاص (special registration).

لم يعد لدي أدنى أمل في جيلي الحالي (وربما في بضعة أجيال قادمة) في أن يحدث أي تغيير يذكر ، بل بالعكس تزداد الأمور سوءا يوما بعد يوم (وأقصد هنا على المستوى المصري والعربي). كذلك لا أرى أن العالم يتجه للأفضل بل للأسوأ. تتجه الأخلاق للانحطاط والسياسة للانتهازية والاقتصاد للجشع. كذلك تحول الكثير من البشر (بالذات في المجتمع الأمريكي) إلى مخلوقات استهلاكية لا تشبع ولا تقنع ، بل وأيضا اضمحلت الصناعة (فقد تضاءلت الجودة في السلع المطروحة). على سبيل المثال عندما كنت تشتري تليفزيونا أو جهاز فيديو كان يعيش لسنوات طويلة (عشر سنين أو أكثر) قبل أن تفكر في إصلاحه وكان الضمان يستمر لثلاث سنوات على الأقل. الآن أصبحت الأجهزة الرديئة الرخيصة (المصنع أغلبها في الصين) تعطب قبل نهاية فترة الضمان والتي أنقصت إلى سنة واحدة (وأحيانا لسوء الحظ بعد انتهاء فترة الضمان بأيام قليلة كما حدث مع جهاز الدي في دى الذي اشتريته العام قبل الماضي). تخيل أن هناك أجهزة دي في دي محمولة جديدة عليها ضمان ثلاثة أشهر فقط (أي أن الشركة لا تضمن أن يعيش جهازها الرديء لأكثر من هذه الفترة)!

إبراهيم

ملحوظة: أنا هنا لا أحب أن أعمم السلبيات ولا أقول أنني فوقها (بحكم جيناتي المصرية). وللإنصاف أقول (وأفخر) بأن هناك الكثير من أصدقائي المصريين الراقين فكرا والإيجابيين سلوكا. ومن كل قلبي أتمنى أن تعود مصر (والمصريون) إلى دورها الريادي المفقود.

ليست هناك تعليقات: